سهيلة عبد الباعث الترجمان

599

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

هو الموجد الأشياء وهو وجودها * وعين ذرّات الكل وهو جامع بدت في نجوم الخلق أنوار شمسه * فلم يبق حكم النجم والشمس طالع « 1 » فالجيلي كما رأينا صريح كل الصراحة في التعبير عن رؤيته للوجود ، ورد الأمر كله إلى اللّه في إيجاد العالم ، فقد أوجده من نفسه ، بل من علمه وهو العلم الإلهي ، فسرى ظهوره في كل ذرّة من ذرات الموجودات ، رحمة بها وجودا وكرما منه ، كل ذلك مع بقائه على وحدته التامة دون انتقاص ، فكمل العالم بكمال وجوده في كل جزء من أجزائه من غير تعدد ، ولذلك كانت : " أول رحمة رحم اللّه بها الموجودات أنه أوجد العالم من نفسه ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 2 » ، ولهذا سرى ظهوره في الموجودات ، فظهر كماله في كل جزء وفرد من أفراد أجزاء العالم ، ولم يتعدد بتعدد مظاهره ، بل هو واحد في جميع تلك المظاهر ، أحد على ما تقتضيه ذاته الكريمة في نفسها من صفات الكمال . . . فكل شيء في العالم هو بكماله ، واسم الخلقية على ذلك الشيء بحكم العارية « * » ، لا كما زعم من زعم أن الأوصاف الإلهية هي التي تكون بحكم العارية على العبد فقال : أعارته طرفا رآها به * فكان البصير لها طرفا « 3 » فهو إذن يشير إلى أن المادة التي تكونت منها الموجودات هي معارة من حقائق الحق تعالى ، وليست خارجة عنه ، فكان الحق بذلك هيولى العالم « 4 » التي قام بها ، وهو في ذلك يستند إلى قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 5 » . وقد

--> ( 1 ) الجيلي ، النوادر العينية ، ( القصيدة ) ، ص 93 ، البيت 152 - 153 - 154 . ( انظر شرح عبد الغني النابلسي ، المعارف الغيبية شرح العينية للجيلي ، المكتبة الظاهرية ، دمشق ، برقم 9118 ، مدونة بخط المؤلف ، سنة 1086 ه ، ص 47 ) . ( 2 ) سورة الجاثية ، الآية : 13 ك . ( * ) العارية : يقول الجيلي : ليست إلا نسبة الوجود الخلقي إليها ، وإن الوجود الحقي لها أصل . فأعار الحق حقائق اسم " الخلقية " لتظهر بذلك أسرار الألوهية ومقتضياتها من التضاد ( الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 32 ) . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 32 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 32 . ( 5 ) سورة الحجر ، الآية : 85 ك .